• منصة الاعتقاد
  طباعة اضافة للمفضلة
شرح حديث (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي)
906 زائر
22-06-2015
اللجنة العلمية



شرح حديث (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي)



إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد:

عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ,والصيام جنة وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب[1]، فإن سابه أحد أو قاتله ,فليقل إني امرؤ صائم, والذي نفس محمد بيده لخلوف فم (لخلف فم-لخلوف في) الصائم أطيب عند الله من ريح المسك, للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه"[2]

قوله صلى الله عليه وسلم : " كل عمل ابن آدم له " قيل : معناه : أن لنفسه فيه حظا لاطلاع الناس عليه، فهو يتعجل إليه إلا الصوم ، فإنه لي لا يطلع عليه أحد.

وسئل سفيان بن عيينة عن قوله " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي " فقال : إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عز وجل عبده ، ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله حتى لا يبقى إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم ، ويدخله بالصوم الجنة.

ويحكى عن سفيان أيضا في قوله : " الصوم لي " قال: لأن الصوم هو الصبر يصبر الإنسان عن المطعم والمشرب والنكاح، وثواب الصبر ليس له حساب، ثم قرأ قوله تعالى:{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } الزمر : 10

قال أبو عبيد على قوله : " الصوم لي وأنا أجزي به " قد علمنا أن أعمال البر كلها له وهو يجزي بها، فنرى - والله أعلم - أنه إنما خص الصوم بأن يكون هو الذي يتولى جزاءه، لأن الصوم ليس يظهر من ابن آدم بلسان ولا فعل، فيكتبه الحفظة، إنما هو نية في القلب، وإمساك عن المطعم والمشرب، فيقول : أنا أتولى جزاءه على ما أحب من التضعيف لا على كتاب له.

وقيل: معناه: إن الصوم عبادة خالصة لي لا يستولي عليه الرياء والسمعة، ليس كسائر الأعمال التي يطلع عليها الخلق، فلا يؤمن معها الشرك, ولا يطلع عليها غير الله.[3]

وقوله r"الصيام جنة"

وفي رواية عند أحمد"الصِّيام جنَّةٌ وحِصْنٌ حصينٌ مِنَ النَّار"[4]

وخرّج من حديث عثمان بن أبي العاص ، عن النَّبيِّ r قال :" الصوم جنَّةٌ مِنَ النَّارِ، كجُنَّة أحدكم من القِتال"[5]

ومن حديث جابر ، عنِ النَّبيِّ r، قال : " قال ربُّنا - عز وجل - : الصِّيام جنَّةٌ يستجِنُّ بها العبدُ من النَّار "[6]

قال ابن رجب رحمه الله: الجُنَّة : هي ما يستجنُّ بها العبد، كالمجنِّ الذي يقيه عندَ القتالِ من الضَّرب، فكذلك الصيام يقي صاحبه منَ المعاصي في الدُّنيا، كما قال - عز وجل -: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } البقرة183

فإذا كان له جُنَّةٌ من المعاصي، كان له في الآخرة جُنَّةٌ من النار، وإنْ لم يكن له جُنَّةٌ في الدنيا من المعاصي، لم يكن له جُنَّةٌ في الآخرة من النار.[7]

وقولهr " وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب, فإن سابه أحد أو قاتله ,فليقل إني امرؤ صائم "

" فلا يرفث " يريد : لا يفحش، والرفث: الخنا والفحش.[8]

"ولا يصخب" بالسين والصاد وهو الصياح وهو بمعنى الرواية الأخرى ولا يجهل.

وقال بعضُ السَّلف: الغيبةُ تخرقُ الصِّيامَ، والاستغفارُ يرقَعُهُ، فمن استطاع منكم أنْ لا يأتي بصوم مخرَّقٍ فليفعل .

وقال ابنُ المنكدر: الصائمُ إذا اغتاب خرق، وإذا استغفر رقع .[9]

وخرَّج الطبراني بإسنادٍ فيه نظرٌ عن أبي هريرة مرفوعاً : " الصِّيامُ جُنَّةٌ ما لم يخرقه" ، قيل : بم يخرقه ؟ قال :" بكذبٍ أو غيبةٍ "[10]

قولهr " فإن سابه أحد أو قاتله ,فليقل إني امرؤ صائم "

قال الشيح محمد بن صالح العثيمين –رحمه الله- فإن سابه أحد أو شاتمه فلا يرفع صوته عليه بل يقول: إني صائم، يقول ذلك لئلا يتعالى عليه الذي سابه, كأنه يقول: أنا لست عاجزا عن أن أقابلك بما سببتني, ولكني صائم يمنعني صومي من الرد عليك وعلى هذا فيقوله جهرا .

كذلك أيضا إذا قال: ( إني صائم ) يردع نفسه عن مقابلة هذا الذي سابه كأنه يقول لنفسه. ( إني صائم فلا تردى على هذا الذي سب ) وهذا أيضا معنى جليل عظيم ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى من الدنيا ما يعجبه وخاف أن تتعلق نفسه بذلك, قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة, فالنفس مجبولة على محبة ما تميل إليه فإذا رأى ما يعجبه من الدنيا فليقل لبيك يعني إجابة لك يا رب .إن العيش عيش الآخرة أما عيش الدنيا فزائل وفان .[11]

قولهr " والذي نفس محمد بيده لخلوف فم (لخلف فم-لخلوف في) الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"

قال ابن القيم –رحمه الله- والصائم : هو الذي صامت جوارحه عن الآثام, ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور, وبطنه عن الطعام والشراب, وفرجه عن الرفث, فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه, وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه, فيخرج كلامه كله نافعا صالحا, وكذلك أعماله فهي بمنزلة الرائحة التي يشمها من جالس حامل المسك,كذلك من جالس الصائم انتفع بمجالسته, وأمن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم هذا هو الصوم المشروع لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب ففي الحديث الصحيح (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه)[12]وفي الحديث (رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش)[13]... وكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده فهكذا الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته فتصيره بمنزلة من لم يصم.[14]

قال أبو حاتم الرازي –رحمه الله-: شعار المؤمنين يوم القيامة التحجيل بوضوئهم في الدنيا فرقا بينهم وبين سائر الأمم, وشعارهم في القيامة بصومهم طيب خلوف أفواههم أطيب من ريح المسك, ليعرفوا من بين ذلك الجمع بذلك العمل جعلنا الله تعالى منهم.[15]

قال ابن القيم -رحمه الله- : ومن المعلوم أن أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة المسك فمثل النبي r هذا الخلوف عند الله تعالى بطيب رائحة المسك عندنا, وأعظم ونسبة استطابة ذلك إليه سبحانه وتعالى, كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين... وأخبر النبي r بأن ذلك الطيب يكون يوم القيامة فلأنه الوقت الذي يظهر فيه ثواب الأعمال وموجباتها من الخير والشر, فيظهر للخلق طيب ذلك الخلوف على المسك,كما يظهر فيه رائحة دم المكلوم في سبيله كرائحة المسك, وكما تظهر فيه السرائر وتبدو على الوجوه وتصير علانية, ويظهر فيه قبح رائحة الكفار وسواد وجوههم , وحيث أخبر بأن ذلك حين يخلف وحين يمسون فلأنه وقت ظهور أثر العبادة ويكون حينئذ طيبها على ريح المسك عند الله تعالى وعند ملائكته.

وقال:وإن كانت تلك الرائحة كريهة للعباد فرب مكروه عند الناس محبوب عند الله تعالى. وبالعكس فإن الناس يكرهونه لمنافرته طباعهم, والله تعالى يستطيبه ويحبه لموافقته أمره ورضاه ومحبته فيكون عنده أطيب من ريح المسك عندنا, فإذا كان يوم القيامة ظهر هذا الطيب للعباد وصار علانية وهكذا سائر آثار الأعمال من الخير والشر, وإنما يكمل ظهورها ويصير علانية في الآخرة, وقد يقوى العمل ويتزايد حتى يستلزم ظهور بعض أثره على العبد في الدنيا في الخير والشر كما هو مشاهد بالبصر والبصيرة.

قال ابن عباس: أن للحسنة ضياء في الوجه ونورا في القلب وقوة في البدن وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق, وإن للسيئة سوادا في الوجه وظلمة في القلب ووهنا في البدن ونقصا في الرزق.[16]

وقوله r "للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه"[17]

قال القرطبي: معناه فرح بزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر، وهذا الفرح طبيعي وهو السابق للفهم، وقيل إن فرحه بفطره إنما هو من حيث أنه تمام صومه وخاتمة عبادته وتخفيف من ربه ومعونة على مستقبل صومه. [18]

قال ابن حجر: ولا مانع من الحمل على ما هو أعم مما ذكر، ففرح كل أحد بحسبه لاختلاف مقامات الناس في ذلك، فمنهم من يكون فرحه مباحا وهو الطبيعي، ومنهم من يكون مستحبا وهو من يكون سببه شيء مما ذكره.[19]

ومنهم من يكون فرحه محرماً إذا انتظر الفطر لينتهك حرمات الله خاصة في هذا الزمان.

ودليله قوله r " رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر"[20]. فما كان له من الصوم إلا الجوع والعطش فكان فرحه بالطعام والشراب أعظم من فرحه بإتمام الصيام, وكان فرحه بانتهاك حرمات الله في هذا الشهر أعظم من فرحه بالطعام والشراب نعوذ بالله من الخذلان.

قوله: "وإذا لقي ربه فرح بصومه" أي بجزائه وثوابه. وقيل الفرح الذي عند لقاء ربه إما لسروره بربه أو بثواب ربه على الاحتمالين. قال ابن حجر: والثاني أظهر إذ لا ينحصر الأول في الصوم بل يفرح حينئذ بقبول صومه وترتب الجزاء الوافر عليه[21].

اللهم ارزقنا الفرح في الدنيا بإتمام الصيام وتقبله منا, وارزقنا الفرح يوم القيام بالأجر والثواب اللهم أمين.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .



[1] في رواية مسلم بالسين (يسخب)

[2] البخاري(1904), مسلم (1151)

[3] شرح السنة للبغوي (ج6 ص224,223) المكتب الإسلامي.

[4] في مسنده (9225).

[5] المسند (16237).

[6] المسند (14669).

[7] جامع العلوم والحكم شرح الحديث التاسع والعشرون (أخبرني بعمل يدخلني الجنة).

[8] شرح السنة للبغوي (6 /226).

[9] جامع العلوم والحكم

[10] المعجم الأوسط (4356), وفي النسائي من حديث أبي عبيدة (2235), وقال الألباني صحيح الإسناد مقطوع.

[11] شرح رياض الصالحين رقم الحديث (1215)

[12] البخاري (1903).

[13] مسند احمد (8856).

[14] الوابل الطيب (43) دار الكتاب العربي (وذكر ابن القيم اختلف العلماء في وجود هذه الرائحة من الصائم هل هي في الدنيا أو في الآخرة)باختصار (ارجع أليها في مقال خلوف فم الصائم).

[15] الوابل الطيب ص43

[16] الوابل الطيب.

[17] البخاري(1904), مسلم (1151).

[18] فتح الباري (4/118).

[19] فتح الباري (4/118).

[20] المسند (8856).

[21] فتح الباري (4/118).

   طباعة 
0 صوت
الصوم
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
  أدخل الكود
روابط ذات صلة
المادة السابق
المواد المتشابهة المادة التالي
جديد المواد
الخلافات الزوجية : أسبابها ، وعلاجها - بقلم المشرف العام د. أحمد بن عبدالرحمن القاضي
الدعاء: حكمه وآدابه - بقلم المشرف العام د. أحمد بن عبدالرحمن القاضي
إمام المسجد - بقلم المشرف العام د. أحمد بن عبدالرحمن القاضي
حالنا مع القرآن في رمضان - بقلم المشرف العام د. أحمد بن عبدالرحمن القاضي