• منصة الاعتقاد
  طباعة اضافة للمفضلة
لا تغضب
2132 زائر
07-04-2013
د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي

بسم الله الرحمن الرحيم


بسم الله الرحمن الرحيم

لا تغضب !

الحمد لله الذي أودع كتابه صحيح الاعتقاد، ومكارم الأخلاق. والصلاة والسلام على من أدبه ربه، فأحسن تأديبه، وزكاه حتى نصع طيبه. وأثنى عليه أجمل الثناء فقال : (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم : 4]. ولخص صلى الله عليه وسلم عموم رسالته في مقصد عظيم فقال : (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) رواه البخاري لأدب المفرد وصححه الألباني. أما بعد:

فهذه معالجة إيمانية، تربوية، لأحد الأخلاق البشرية الطبعية، التي تؤثر تأثيراً بالغاً في حياة الإنسان، وعلاقته بربه، ونفسه، وأهله، ومجتمعه. ألا وهو (الغضب)!. وأصل هذا المبحث ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى اله عليه وسلم أوصني. قال :"لا تغضب ،فردد مراراً.قال لا تغضب.". وهي مقتطفات من كلام بعض الشراح الربانيين لمعاني الحديث.

1- تعريف الغضب:

قال في مختصر منهاج القاصدين:

(حقيقة الغضب: غليان دم القلب لطلب الانتقام. فمتى غضب الإنسان ثارت نار الغضب ثوراناً يغلي به دم القلب وينتشر في العروق ويرتفع إلى أعالي البدن, كما يرتفع الماء الذي يغلي في القدر، ولذلك يحمر الوجه، والعين، والبشرة، وكل ذلك يحكي لون ما وراءه من حمرة الدم ، كما تحكي الزجاجة لون ما فيها، وإنما ينبسط الدم، إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه.

فإن كان الغضب صدر ممن فوقه، وكان معه يأس من الانتقام، تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب، فصار حزناً، ولذلك يصفر اللون.

وإن كان الغضب من نظير يشك فيه، تردد الدم بين انقباض وانبساط فيحمر، ويصفر، ويضطرب. فالانتقام هو قوت لقوة القلب ).([1])

وقال ابن رجب-رحمه الله-في شرح الحديث السابق:

( والغضب: هو غليان دم القلب طلباً لدفع المؤذي عنه خشية وقوعه، أو طلباً للانتقام ممن حصل له منه الأذى بعد وقوعه )([2]). ويشهد لهذا التعريف بأن الغضب هو غليان دم القلب.... ما رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه-أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:في خطبته: ( ألا إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أفما رأيتم إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه ؟ فمن أحس من ذلك بشيء فليلزق بالأرض).

فوصفه بأنه جمرة في القلب، فدل على الحرارة، ثم ذكر آثاره الظاهرة من حمرة العينين، وانتفاخ الأوداج، فدل على غليان الدم في القلب، وفورانه.

2- خطر هذا الخلق وعظم شأنه :

قال ابن رجب: (خرّج الترمذي هذا الحديث – حديث الباب – من طريق أبي حصين أيضًا ولفظه : (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله علمني شيئاً، ولا تكثر علي، لعلي أعيه. قال: لا تغضب. فردد ذلك مرارًا، كل ذلك يقول: لا تغضب) وفي رواية أخرى لغير الترمذي، قال: قلت يا رسول الله: دلني على عمل يدخلني الجنة، ولا تكثر علي. قال: لا تغضب.

فهذا الرجل طلب من النبي-صلى الله عليه وسلم-أن يوصيه وصيةً وجيزة، جامعة لخصال الخير، ليحفظها عنه، خشية أن لا يحفظها لكثرتها, ووصاه النبي-صلى الله عليه وسلم- أن لا يغضب. ثم ردد هذه المسألة عليه مراراً، والنبي-صلى الله عليه وسلم-يردد عليه هذا الجواب. فهذا يدل على أن الغضب جماع الشر، وأن التحرز منه جماع الخير.

وخرج الإمام أحمد من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن رجلٍ من أصحاب النبي-صلى الله عليه وسلم-قال :قلت يا رسول الله: أوصني. قال: "لا تغضب". قال الرجل: ففكرت حين قال النبي-صلى الله عليه وسلم-ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله .....

وقول الصحابي : ففكرت فيما ... الخ يشهد لما ذكرناه أن الغضب جماع الشر كله .

فقوله-صلى الله عليه وسلم- لمن استوصاه: (لا تغضب) يحتمل أمرين :

أحدهما – أن يكون مراده الأمر بالأسباب التي توجب حسن الخلق؛ من الكرم، والسخاء، والحلم، والحياء، والتواضع، والاحتمال، وكف الأذى، والصفح، والعفو، وكظم الغيظ، والطلاقة، والبشر، ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة. فإن النفس إذا تخلقت بهذه الأخلاق، وصارت لها عادة، أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه .

الثاني – أن يكون المراد: لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك، بل جاهد نفسك على ترك تنفيذه، والعمل بما يأمر به، فإن الغضب إذا ملك شيئا من بني آدم كان الآمر والناهي له. ولهذا المعنى قال الله عز وجل: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) [الأعراف : 154]. إذا لم يمتثل الإنسان ما يأمر به غضبه، وجاهد نفسه على ذلك اندفع عنه شر الغضب. وربما سكن غضبه وذهب عاجلا، وكأنه حينئذ لم يغضب. وإلى هذا المعنى وقعت الإشارة في القرآن بقوله عز وجل: "وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ" [الشورى : 37]، وبقوله: "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"[آل عمران: 134] جامع العلوم والحكم : 124-125

وتتبين خطورة الغضب بمعرفة آثاره :

(وينشأ من ذلك كثير من الأفعال المحرمة كالقتل، والضرب، وأنواع الظلم، والعدوان، وكثير من الأقوال المحرمة؛ كالقذف، والسب، والفحش، وربما ارتقى إلى درجة الكفر، كما جرى لجبلة بن الأيهم, وكالأيمان التي لا يجوز التزامها شرعًا، وكطلاق الزوجة الذي يعقبه الندم) جامع العلوم والحكم 127

وقد يترتب على الغضب إحباط الأعمال الصالحة :

]فقد روي عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أنه أخبر عن رجلين ممن كان قبلنا؛ كان أحدهما عابداً، وكان الآخر مسرفاً على نفسه. وكان العابد يعظه فلا ينتهي. فرآه يوماً على ذنب استعظمه، فقال: والله لا يغفر الله لك! فغفر الله للمذنب، وأحبط عمل العابد. وفي رواية: أنَّ الله قال: "من ذا الذي يتألى عليّ ألّا أغفر لفلان! فإني قد غفرت له، وأحبطت عملك ". فكان أبو هريرة-رضي الله عنه-يقول : لقد تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته . فكان أبو هريرة يحذر الناس أن يقولوا مثل هذه الكلمة في غضب. وقد خرّجه الإمام أحمد، و أبو داود.

فهذا غضب لله، ثم تكلم في حال غضبه بما لا يجوز، وحتَّم على الله بما لا يعلم، فأحبط الله عمله. فكيف بمن تكلم في غضبه لنفسه، ومتابعة هواه بما لا يجوز ؟!) جامع العلوم والحكم: 128

3- أسباب الغضب :

إن الغضب شأنه شأن سائر الأخلاق؛ حميدها، وذميمها، قد يكون فطريا، جبل عليه صاحبه، وقد يكون مكتسباً من البيئة، والظروف المحيطة، وطبيعة التربية. وفي كلا الحالين فإن العبد مطالب بمجاهدته، ومطامنته، والتخفيف منه، ما استطاع. إلا أن هناك أسباباً مهيجة للغضب، دلت عليها التجربة والملاحظة. فمن أهمها :-

أ-المزاح: خصوصًا إذا كثر، أو كان فاحشاً. فإن كثرة المزاح تسقط الهيبة، وتكسر حواجز الأدب, وتغري العابث، وتُجرّيء السفيه على أن يقول أو يفعل ما يُهيج هذا السرطان الكامن في النفس .

ب-العُجب والكبر : فإن من دخل في نفسه شيءٌ من العُجب، والكبر، نشأ عنده حساسية مفرطة، وانفعال لكل ما يصدر من الآخرين، فيفسرها: أنها نيلٌ من كرامته، وإهانةٌ لشخصه.

جـ-الجدل والمماراة : إذ يكون همّ الإنسان إثبات رأيه، والانتصار لنفسه، حتى ولو على حساب الحق, فتجده يحشد من الأدلة ما يكون مدعاة للخروج بالنقاش إلى نواحٍ شخصية بحتة، لا علاقة لها بذات الموضوع .

وهناك أسباب أخرى؛ كالحسد، وسوء الظن، والأنانية، والحرص، يعضد بعضها بعضًا .... والله المستعان.

4- علاج الغضب:

للغضب أمور يُتقى بها؛ قد تكون قبله، وقد تكون معه، وبعضها معنوي نفسي، وبعضها عملي حسي. فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء " . رواه البخاري.

فمن الأدوية المعنوية النفسية:

أولاً: قطع أسباب الغضب وحسم مادته : فيتجنب شهود ما يثير غضبه. وإن شهده احترز من الولوج فيها؛ فيكف عن المزاح، وإن وقع منه كان حقاً، ولم يخرج عن سمته. ويكُفّ نفسه عن العجب والكبر، ويداويها بضده. ويكُفّ عن المراء والجدال فإذا رأى أنه أَبان لخصمه الوجه الذي يراه حقًا، اقتصر، ولم يعد يكرر مقالته، وإن بدا عند الحاضرين أنه مغلوب. وهذه طريقة الحازم العاقل.

ثانياً: التفكّر في النصوص الواردة في فضل الحلم، وكظم الغيظ، والعفو، والسماحة: ومن أمثلة ذلك :

أ.ثناء الله عز وجل: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[آل عمران: 134] وقوله: " وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ" [الشورى : 37]، وقوله: " خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ" [الأعراف: 199]

ب.ما ورد في السنة في فضل كظم الغيظ، مثل:

1. ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، من حديث معاذ بن أنس-رضي الله عنه-عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره أيّ الحورِ شاء).

2. روى الإمام أحمد من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما-عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: (ما تجرّع عبدٌ جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله تعالى).

3. روى الإمام أحمد أيضاً من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما- قال: (ما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد. ما كظم عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيماناً).

جـ- وما حفظ عن السلف الصالح في ذلك، مثل:

- أنّ عمر بن عبد العزيز - رحمه الله- غضب يوماً فقال له ابنه عبد الملك – رحمهما الله -: أنت يا أمير المؤمنين! مع ما أعطاك الله، وفضلك به تغضب هذا الغضب ؟! فقال له: أو ما تغضب يا عبد الملك ؟ فقال له عبد الملك: وما يغني عني سعة جوفي إن لم أردد فيه الغضب حتى لا يظهر.

- وشتم رجلٌ ابن عباس- رضي الله عنه ، فلما قضى مقالته. قال: يا عكرمة، انظر هل للرجل من حاجة فنقضيها ؟ فنكس الرجل رأسه واستحى.

- وجاء غلام لأبي ذر- رضي الله عنه- وقد كسر رجل شاة له، فقال له: من كسر رجل هذه ؟ قال: أنا، فعلته عمداً لأغيظك، فتضربني، فتأثم. فقال: لأُغيظنَّ من حرّضك على غيظي. فأَعتقه.

- وشتم رجلٌ عدي بن حاتم- رضي الله عنه- وهو ساكت، فلما فرغ من مقالته قال: إن كان بقي عندك شيء فقل، قبل أن يأتي شباب الحي فإنهم إن سمعوك تقول هذا لسيّدهم لم يرضوا.

- ودخل عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- المسجد ليلةً في الظلمة، فمر برجلٍ نائم، فعثر به، فرفع رأسه، وقال: أمجنون أنت ؟ فقال عمر: لا. فهمّ به الحرس، فقال عمر: مه! إنما سألني أمجنون ؟ فقلت: لا.

- ولقي رجلٌ علي بن الحسين - رضي الله عنهما- فسبّه، فثارت إليه العبيد. فقال: مهلاً، ثم أقبل على الرجل فقال: ما ستر عنك من أمرنا أكثر. ألك حاجة نعينك عليها ؟ فاستحى الرجل. فألقى عليه خميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فكان الرجل بعد ذلك يقول: أشهد أنك من أولاد الرسول.

- وقال رجل لوهب بن منبه- رحمه الله : إن فلاناً شتمك. فقال: ما وجد الشيطان بريداً غيرك.)([3])

ثالثاً: ( أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب ... وأنه يُشْبه حينئذٍ الكلب الضاري، والسبع العادي. وأنه يكون مجانباً لأخلاق الأنبياء والعلماء في عاداتهم، لتميل نفسه إلى الاقتداء بهم )([4])

رابعاً: أن يعلم أن غضبه ذاك ليس علامة قوة، بل مظهر ضعف: فإنه مَنْ عجز عن ضبط نفسه فهو لما سواها أعجز.كما نطق بذلك الحديث الصحيح، ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود- رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(ما تعدون الصرعة فيكم؟) قلنا:الذي لا تصرعه الرجال.قال:(ليس ذلك. ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب)

ومن الأدوية العملية التي دلت عليها الشريعة:

أولاً: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: كما قال تعالى: " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله"

والغضب نزغة من نزغات الشيطان. وفي الصحيحين عن سليمان بن صرد- رضي الله عنه- قال: استب رجلان عند النبي -صلى الله عليه وسلم-ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مغضباً، قد احمر وجهه، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم: ( إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد. لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم). فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي – صلى الله عليه وسلم ؟ قال: إني لست بمجنون.

ثانياً: السكوت:

خرّج الإمام أحمد من حديث ابن عباس –رضي الله عنهما- عن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: (إذا غضب أحدكم فليسكت)، قالها ثلاثا. وهذا دواء عظيم للغضب، لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال غضبه كثيرًا؛ من السباب وغيره مما يعظم ضرره. فإذا سكت زال هذا الشر كله عنه.

ثالثاً: اللزوق بالأرض: إما بجلوس، أو اضطجاع، لما روى الإمام أحمد، والترمذي عن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- أن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال في خطبته: (ألا إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم. أفما رأيتم إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه! فمن أحس من ذلك بشيء فليلزق بالأرض). وخرّج الإمام أحمد، وأبو داود من حديث أبي ذرٍ – رضي الله عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: (إذا غضب أحدكم وهو قائمٌ فليجلس. فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع).

وقد قيل أن المعنى في هذا أن القائم متهيئ للانتقام، والجالس دونه في ذلك، والمضطجع أبعد منه، فأمره بالتباعد عنه حالة الانتقام. ويشهد لذلك أنه روي من حديث سنان بن سعد عن أنس عن النبي – صلى الله عليه وسلم- ، ومن حديث الحسن مرسلاً عن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال: "الغضب جمرة في قلب الإنسان توَقَّد. ألا ترى إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه! فإذا أحس أحدكم من ذلك شيئاً فليجلس، ولا يعدو به الغضب). والمراد أنه يحبسه في نفسه، ولا يعدِّيه إلى غيره بالأذى والفعل.

ولهذا المعنى قال النبي –صلى الله عليه وسلم- في الفتن: (إن المضطجع فيها خير من القاعد. والقاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي). وإن كان هذا على وجه ضرب المثال في الإسراع في الفتن، إلا أن المعنى: أن من كان أقرب إلى الإسراع فيها فهو شر ممن كان أبعد عن ذلك.([5])

قال في مختصر منهاج القاصدين:

( وأما الجلوس والاضطجاع فيمكن أن يكون إنما أمر بذلك ليقرب من الأرض التي منها خلق. فيذكر أصله فيذل. ويمكن أن يكون ليتواضع بذله، لأن الغضب ينشأ من الكبر )([6]).

رابعاً: الوضوء والاغتسال:

خرج الإمام أحمد من حديث عروة بن محمد السعدي، أنه كلمه رجل فأغضبه، فقام فتوضأ، ثم قال: حدثني أبي عن جدي عطية قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: (إن الغضب من الشيطان. وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء. فإذا غضب أحدكم فليتوضأ).

وروى أبو نعيم بإسناده عن أبي مسلم الخولاني أنه كلم معاوية بشيء وهو على المنبر، فغضب، ثم نزل فاغتسل، ثم عاد إلى المنبر، وقال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، والماء يطفئ النار، فإذا غضب أحدكم فليغتسل).

وبالجملة، فحري بالعاقل اللبيب أن يتنبه لمداخل الشيطان التي يتسلل منها إلى نفسه، فيوصد الأبواب، ويحكم الأسوار، ويسد الثغور، ليأمن من عدوه. وعليه أن يطَّرح دعاوى المخذلين، المحبطين، الزاعمين أن الطباع لا تتغير! فيسلمون أنفسهم غنيمة باردة للشيطان، ويلقون سلاح المجاهدة في الله، ويخرجون من شرف هذه الآية، وكريم موعودها: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت : 69].

جمعه: د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي



[1] مختصر منهاج القاصدين، ص179.

[2] جامع العلوم والحكم، ص127.

[3] أنظر مختصر منهاج القاصدين، ص183.

[4] مختصر منهاج القاصدين، ص181.

[5] جامع العلوم والحكم، ص126.

[6] مختصر منهاج القاصدين، ص182.

   طباعة 
3 صوت
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
  أدخل الكود
روابط ذات صلة
المادة السابق
المواد المتشابهة المادة التالي
جديد المواد
حسن التبعل - بقلم المشرف العام أ.د. أحمد بن عبدالرحمن القاضي
الجمعة - بقلم المشرف العام أ.د. أحمد بن عبدالرحمن القاضي
النبي الأمي صلى الله عليه وسلم - بقلم المشرف العام أ.د. أحمد بن عبدالرحمن القاضي
كورونا واستقبال رمضان - بقلم المشرف العام أ.د. أحمد بن عبدالرحمن القاضي