• منصة الاعتقاد
  طباعة اضافة للمفضلة
الخلافات الزوجية أسبابها وعلاجها
2453 زائر
10-01-2013
د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي


---


الخلافات الزوجية : أسبابها ، وعلاجها

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فلا مضل لله ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، القائل : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة ) الروم : 21 ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، القائل : ( لا يفرَك مؤمنٌ مؤمنةً ، إن كره منها خلقاً ، رضي منها آخر ) رواه مسلم . أما بعد :

فإن الحياةَ الزوجية مشروعُ العمر ، ومتنُ الحياة ، نواةُ المجتمع ، وسرُ بقاء البشرية . علاقةٌ جليلةُ تنعقد بكلمة الله ، وتحوطها أمانةُ الله . طرفاها الذكر والأنثى ، وثمرتهُا الذريةُ الطيبة ، قال تعالى : ( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ) النحل: 72.

وهذه الحياة يمكن أن تكون :

1- جنةً وارفةَ الظلال ، يجد فيها المرء سَكَنه ، ويلتقط نفَسَه ، ويأوي إلى حبيبه ، في هجير الكبد الذي خلق فيه ، والكدح الذي يجري في مضماره .

2- جحيماً لا يطاق ، يضاعفُ همومَه ، ويزيدُ توتَره ، ويشوشُ ذهنَه ، ويكدرُ صفوَه .

3- وقتاً هدراً ، وزمناً ضائعاَ. جسداً بلا روح ، ورسماً بلا معنى . لا تعدو أن تكون (مأوىً) و (مطعماً) و ( قضاءَ وطر ) ، خاليةً من (السكن) و (المودة) و (الرحمة) .

والسعادة الزوجية ، حلمٌ ينشده الجميع ، وأمنيةٌ تراود كل زوجين ، ولكن المقاصد تنال بالأسباب ، ليس بأمانِيكم ولا أمانيِّ أهلِ الكتاب . ولا يقوم بناء السعادةِ الزوجية إلا على ركنين أساسيين :

أحدُهما : جلبُ أسباب المودة ، واستدامتُها .

والثاني : دفعُ أسباب الخلاف ، ورفعُها .

ومحلُ بحثِنا في هذه المحاضرة ، في الركن الثاني ، المتعلقِ بالخلافاتِ الطارئةِ على الحياة الزوجية ، وأسبابهِا ، وطرقِ علاجها . والله المستعان ، وعليه التكلان .

تبتدىء الحياةُ الزوجية بالتقاء روحين ، وبدنين ، ينتميان إلى تكوينات نفسية ، وعقلية ، واجتماعية ، متقاربة ، أو متباعدة . وتغمر بهجةُ العرس ، والفرحُ بالحياة الجديدة ، جميعَ النتوءات والتباينات المختزنةِ لدى كل منهما . حتى إذا ما هبط منسوب هذا الفيضان المؤقت ، بدت تلك الفروق الطبيعية ، وانكشف كل منهما على صورته التي جبله الله عليها ، أو اكتسبها من أبويه ومجتمعه. وحينئذ : إما أن يتمكن الطرفان من التوافق والتقارب، فيهنئآ ، ويسعدا، أو يتنازعا ، فيفشلا ، ويقع الفراق ، أو النكد المستديم .

وقد أرسى الإسلام قواعد العلاقة الزوجية على أسس ثابتة واضحة ، توزع الحقوق والواجبات على طرفي عقد الزوجية ، تتمثل في جمل عامة ، مثل :

1- ( الرجال قوامون على النساء ) النساء : 34 . أي بالولاية والرعاية والنفقة والمسكن .

2- ( وعاشروهن بالمعروف ) النساء : 19. أي بالصحبة الجميلة ، وكف الأذى ، وبذل الندى .

3- ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ، وللرجال عليهن درجة ، والله عزيز حكيم ) البقرة : 228 فكما أن على المرأة حقاً لزوجها ، فإن لها حقاً عليه. إلا إن حقه أعظم لما عليه من القوامة .

4- ( إن لكم عليهن ألا يُوطئن فُرَشَكم أحداً تكرهونه … ولهن عليكم رزقُهن وكسوتهُن بالمعروف ) رواه مسلم .

كما عالج الإسلام المشكلاتِ التي تعترض مسيرة الحياة الزوجية ، ووجَّه كلاً من الزوجين في حال نشوز صاحبه ، وإعراضه ، كما وجه الولاةَ المصلحين ، فقال :

1- ( واللاتي تخافون نشوزهن ، فعظوهن ، واهجروهن في المضاجع ، واضربوهن ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً ) النساء : 34 . مخاطباً الأزواج ، واعظاً إياهم بذكر اسمين من أسمائه الحسنى ، ليعلموا أن فوقهم من له الكبرياء والعظمة .

2- ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير، وأحضرت الأنفس الشح ، وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) النساء : 128. في جانب الزوجة ، فتتنازل عن بعض حقها في سبيل حفظ باقيه .

3- ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما ، إن الله كان عليماً خبيراً ) النساء : 35 . مخاطباً الحكام والقضاة .

إن منشأ الخلاف بين الزوجين يرجع إلى أسباب متنوعة ؛ منها ما يتعلق بالطبيعة البشرية لكل من الزوجين ، ومنها ما يتصل بمؤثرات اجتماعية ، ومنها ما يرجع إلى الجهل بأحكام الشريعة ، والفهم الخاطىء للحقوق والواجبات . وسوف نتناول جملة من أسباب الخلاف الزوجي الشائعة في بعض بيوتات مجتمعنا ، كما أفصحت عنها الاستشارات ، والاستفسارات الهاتفية الكثيرة ، التي يتلقاها طلبة العلم ، ولجان الإصلاح الأسري ، ثم نتبعُها بطرائقِ الوقاية ، أو العلاج الممكنة .

أولاً : الأسباب الطبْعِية :

لعل معظمُ حالات الخصام اليومي بين الزوجين ترجع إلى الصفات النوعيةِ الخُلُقِية التي طبع عليها كل منهما . فالمرء في بيته يتعرى من المجاملة ، والتصنع ، والتزويق التي قد يلاقي بها الأبعدين ، ويظهر على حقيقته . ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي ) رواه الترمذي وابن ماجه .

ثمَّ صفاتٌ لدى بعض الأزواج من جنس : الغضب ، الوَجد ، اللامبالاة ، بذاءة اللسان …

وصفاتٌ لدى بعض الزوجات من جنس : الغفلة ، الإهمال ، اللجاج والجدل ، الكسل …الخ

وربما العكس ، حملها كل منهما من مسقط رأسه إلى البيت الجديد ، فأثمرت فصولاً من الخصام والشجار اليومي ، كلما تصادمت تلك الطباع المتباينة .

العلاج : يتلخص في أمرين :

أحدهما : ضرورةُ مجاهدةِ المرءِ نفسَه ، وكبحِ جماحِها ، وكسرِ سورتهِا ، وتهذيبِ أخلاقِه ورياضتِها حتى تعتدلَ ، أو يخففَ من غلوائها . قال تعالى : ( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ) آل عمران : 134 . وقال : ( وإذا ما غضبوا هم يغفرون ) الشورى : 37 . وقال : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ، وإن الله لمع المحسنين ) العنكبوت : 69 .

الثاني : تعرفُ كلِّ طرفٍ على طبيعة الآخر ، وفهمُه له ، ومعاملتُه وفق ذلك الفهم . فيتحاشى أسباب إثارته ، وإن بدت له تافهة ، ويتلمسَ مواطن رضاه ، وإن شقَّت عليه .

وربما كان الأزواجُ يتحملون العبءَ الأكبرَ من العلاج ، لما يتميز به جنس الرجال ، عموماً ، على جنس النساء ، من الصبر والاحتمال . ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خلقن من ضِلَع ، وإن أعوجَ شيءٍ في الضلع أعلاه ، فإن ذهبتَ تقيمَه كسرتَه ، وإن تركتَه لم يزلْ أعوجَ . فاستوصوا بالنساء خيراً ) رواه البخاري .

ثانياً : الأسباب الاجتماعية :

تتأثر الأسرةُ الناشئةُ بالوسط المحيط ، سلباً وإيجاباً ، سيما أقاربِ الزوجين . فقد يقع احتكاك بين أحد الزوجين ووالدِ الآخر أو والدتِه ، أو بعضِ إخوانِه أو أخواتِه ، فينحيَ باللائمة من حيث يشعرُ أو لا يشعر على شريك حياته ، ويفرغَ فيه فورةَ غضبِه وحنقِه . وقد يسعى بعض أقارب الزوجين لأسباب مختلفة ، لاستشراف الحياة الخاصة بهما ، والتدخلِ في شؤونهما الخاصة ، فتنشأ خلافات لم تنبع من ذاتيهما ، وتكثر الأطراف، والقيل والقال،وتتعقد المشكلة. ومن أمثلة ذلك :

- شعورُ أمِّ الزوجِ بمزاحمة الزوجة، واستئثارِها بابنها، فتعمد إلى مضايقتِها ، وتأليبِ ابنها عليها.

- حفزُ أمِّ الزوجةِ لابنتها على المطالبة بمزيد من النفقة من زوجها .

- سماع أحد الزوجين ما يسوؤه من أهل الآخر ، أو بدوُّ تصرفٍ ، غيرِ لائقٍ منهم .

والعلاج : يتلخص في أمرين :

أحدُهما : أن يحرص الزوجان على حفظ خصوصياتهِما ، وعدمِ بذلها لكل طفيلي مستطلع ، وأن يحيطا حياتهما الزوجية بسور من المهابة والاحترام ، يحجز الآخرين من انتهاكها ، بالاقتراحات والإيحاءات ، وجميعِ صور التخبيب .

الثاني : أن يستيقن كلٌّ منهما أنه لاتزر وازرة وزر أخرى ، وأنْ ليس من العقل والدين والمصلحة أن يجر أخطاء الآخرين إلى عقر داره ، فتتضاعفَ مصيبتُه . بل يخلع على عتبة بابه ، وحدود مملكته جميع الملابسات الخارجية ، ولا يسمح لها أن تفسد عليه عيشه ، أو أن يرمِ بها بريئاً .