• منصة الاعتقاد
  طباعة اضافة للمفضلة
عاشوراء : دروس وعبر
284 زائر
21-10-2015
د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي


عاشوراء : دروس وعبر

كتبه: د. أحمد بن عبدالرحمن القاضي

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

في المتفق عليه من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى. قَالَ: (فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ) وفي رواية : فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي أَظْفَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى، وَبَنِي إِسْرَائِيلَ، عَلَى فِرْعَوْنَ. وَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ. ثُمَّ أَمَرَ بِصَوْمِهِ) .

تمر هذه الذكرى الإيمانية، العطرة، المبهجة، كل عامٍ على المسلمين، فيحيونها بشكر المنعم، سبحانه، وتعظيمه، بصوم عاشوراء، لموافقته يوماً من أيام الله المشهوده، ونعمةً من نعمه المعهودة، على أهل دينه، وأتباع أنبيائه.

ويرسم القرآن العظيم صورة مهيبةً، لموقف عظيم، تقشعر له الأبدان، وتضطرب له القلوب، حين حُصرت فئة قليلة، وصفت بأنها (شِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) بين بحر مائج، وعدو هائج ! قال تعالى : (فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ.فَلمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ.قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ.فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ.وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ.وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ.ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ.وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [الشعراء/60-68]. مشهد عجيب، وموقف رهيب، يظل أهل الإيمان، وليس، فقط، شهود العيان، يستنبطون منه الدروس والعبر، ويسقون به شجرة الإيمان في كل أوان. فمن ذلك :

أولاً : نصر المؤمنين : وتلك سنة كونية؛ أزليةٌ، أبديةٌ. قال تعالى : (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم/47]، وقال : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر/51]. ولم تتخلف هذه السنة أبداً، إلا أن يكون وقع من أهل الإيمان إخلال بشرطها، وإلا فإن الله تعالى لا يخلف الميعاد. وحين تستقر هذه العقيدة في القلب، تملؤه طمأنينةً، وثقةً، بوعد الله، كما قال موسى، عليه السلام : (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)، وكما قال محمد، عليه الصلاة والسلام، لصاحبه في الغار: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة/40]. وربما تأخر النصر! لحكمة بالغة؛ إما ليستخرج الله بها خبيئة النفوس، كما أخبر تعالى : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) [البقرة/214]، فهو آتٍ لا محالة، وإما ليمايز بين طبقات الناس، كما قال تعالى : (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)[الأحزاب/22]، بينما قال غيرهم : (مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) [الأحزاب/12]

وكان من كمال نصر الله للمؤمنين في هذا الموطن، أن شفى صدورهم برؤية عدوهم يتخبط في لجج الماء، ويغرق أمام أنظارهم، قال تعالى :(وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) [البقرة/50]، بل قذف ببدن عدوهم اللدود، فرعون، ليستوثقوا من هلاكه، ويكون عبرةً لمن خلفه : (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً) [يونس/92]

ثانياً : مصارع الطغاة والظالمين : فالله تعالى يمهل، ولا يهمل! لقد بلغ العتو بفرعون أن أنكر ما أطبق علليه بنو آدم ، فقال : (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)[الشعراء/23]، ثم ادعى الربوبية، فقال : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) [النازعات/24]، ثم تمادى به الحال، فادعى الألوهية، وقال بلغة المدقق، المحقق: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [القصص/38]، واعتبر الخروج عن عبوديته جريمةً يعاقب صاحبها، فقال لموسى: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) [الشعراء/29]! فتأمل كيف أذله الله، وأهلكه بشيء من ألطف الأشياء، وهو الماء، نكالاً به. قال تعالى : (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى.إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) [النازعات/25، 26]

فهل يعتبر الطغاة والظالمون، فيرعوون عن غيهم؟

وهل يعتبر المؤمنون فينتظروا فرج ربهم ؟

ثالثاً : القدرة التامة، والإرادة النافذة : فالله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. فالذي خلق الكون وفق نواميس معينة، قادر على تغييرها . فهاهو البحر الخضم، ينقلب إلى جبل أشم : (فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) ! إن الإيمان بقدرة الله ليملأ القلب يقيناً، وثقةً، وتوكلاً، فلا يلتفت إلى أحدٍ سواه، ولا يتعلق بغيره؛ رغبةً، أو رهبةً، بل يرفع حاجته إلى القدير، وينزل فاقته لدى السميع البصير. وحين يتخلف هذا الشعور، يقول الذاهلون : (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ).

رابعاً : المعية الخاصة للمؤمنين : (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)، فهي معية تقتضي النصر والتأييد، والهدى، وتسديد الخطى، ينالها أهل العلم بالله، بما أودعوا في قلوبهم من تعظيم الرب، وإجلاله، ومحبته، وحسن الظن به. فتؤتي ثمارها كل حين، بإذن ربها، تفريجاً للهموم، وكشفاً للكروب، وهدايةً للأصوب، والأطيب.

خامساً : الموالاة بين المؤمنين : إن الإيمان عقد ينتظم ذويه، ورحم يجمع أهله، يتخطى حدود الزمان والمكان، ويخترق الشعوب والأعراق، فتتعارف قلوبهم من وراء سجف الغيب، وتتعاطف نفوسهم رغم اختلاف اللغات، والتاريخ، والجغرافيا! فهاهو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتفي بتلك المناسبة الإيمانية، ويرى صلى الله عليه وسلم، أن مجددي ملة إبراهيم، من المسلمين، أولى بموسى، ومن معه، من يهود، التي رغبت عن ملة إبراهيم. وفي المتفق عليه، من حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، قَالَ: (مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ) .

سادساً : العجب الذي لا ينقضي من الروافض الجهلة، الذين أحالوا يوم الفرح والشكر، إلى يوم نياحة وكفر؛ يلطمون الخدود، ويضربون القامات، ويستغيثون بغير الله، بدعوى إحياء ذكرى (قتل الحسين) ! ويزعمون أن أحاديث فضل عاشوراء من وضع بني أمية ! فشتان بين الحالين. وهل كان في شرعنا مآتم، ونواح، فضلاً عن الإفساد، والكفر البواح ؟ إن في ذلك لدليلاً ظاهراً على شؤم البدعة، وإفسادها للعقول، والشرائع، وطمسها للإيمان. فاللهم أعز دينك، وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك الصالحين، اللهم عليك بالظالمين، المعتدين، واشف صدور قوم مؤمنين.

   طباعة 
1 صوت
وعبر , عاشوراء , دروس
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
  أدخل الكود
روابط ذات صلة
المادة السابق
المواد المتشابهة المادة التالي
جديد المواد
رسالة إلى جار المسجد - بقلم المشرف العام د. أحمد بن عبدالرحمن القاضي
وَخَسَفَ القَمَرُ - مشاركات ومختارات
صورة الزواج - بقلم: أ. عبدالرحمن بن عبدالله القرعاوي