• منصة الاعتقاد
أسماء الفائزات في المسابقة الرمضانية (نداءات قرآنية ونبوية للمرأة المسلمة)
  طباعة اضافة للمفضلة
صلة الرحم
3828 زائر
27-05-2013
د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي

---


بسم الله الرحمن الرحيم

صلة الرحم


إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد:

فإن من مقتضيات الفطرة السوية، والحقوق المرعية، التي أصلتها العقيدة الإسلامية، وزينتها الآداب الشرعية، (صلة الرحم) المتفرعة عن (بر الوالدين). فنصوص الكتاب والسنة طافحة بتعظيم هذا الجانب، وإيلائه حقه من الأهمية. وقد تعرض هذا الجناب المنيع لعوامل النحت المادية، وآفات النخر الأخلاقية، في الأوقات الأخيرة، فكان لزاماً أن يُعظم ما عظم الله، ويُقدم ما قدم الله، ويُمسك بالكتاب، وتُبَلَّ الرحم ببلالها.

وهذا بحث مختصر، يجلو النظر تجاه جوانب مهمة من هذه المسألة.


منزلة (الرحم) في الكتاب والسنة:

قَالَ الله تَعَالَى : { وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ((2)) وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ }[النساء : 36 ]

وَقالَ تَعَالَى : { وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَام } [ النساء : 1 ]

وَقالَ تَعَالَى : { وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } [ الرعد : 21 ]

وَقالَ تَعَالَى : { وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } [ العنكبوت : 8 ]

وَقالَ تَعَالَى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً } [ الإسراء : 23 - 24 ]

وَقالَ تَعَالَى : {وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك } [ لقمان : 14 ] .

عن أَبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ، قَالَ : سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - : أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى ؟ قَالَ : " الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا "، قُلْتُ : ثُمَّ أي ؟ قَالَ : " بِرُّ الوَالِدَيْنِ " ، قُلْتُ : ثُمَّ أيٌّ ؟ قَالَ : " الجِهَادُ في سبيلِ الله " [1]

وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - :" لا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِداً إلاَّ أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكاً ، فَيَشْتَرِيهُ فَيُعْتِقَهُ "[2]

وعنه أيضاً - رضي الله عنه - : أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ :"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ ، فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ "[3]

وعنه ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ ، فَقَالَتْ : هَذَا مُقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعةِ ، قَالَ : نَعَمْ ، أمَا تَرْضَيْنَ أنْ أصِلَ مَنْ وَصَلَكِ ، وَأقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ ؟ قَالَتْ : بَلَى ، قَالَ : فَذَلِكَ لَكِ ، ثُمَّ قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - :

" اقْرَؤُوا إنْ شِئْتمْ : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ } [ محمد : 22 - 23 ][4]

وفي رواية للبخاري : فَقَالَ الله تَعَالَى : "مَنْ وَصَلَكِ ، وَصَلْتُهُ ، وَمَنْ قَطَعَكِ ، قَطَعْتُهُ "

وعنه - رضي الله عنه -، قَالَ: جاء رجل إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: يَا رَسُول الله ، مَنْ أحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي ؟ قَالَ :" أُمُّكَ " قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : " أُمُّكَ " ، قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : " أُمُّكَ " ، قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : " أبُوكَ " [5].

وفي رواية : يَا رَسُول الله ، مَنْ أَحَقُّ بحُسْنِ الصُّحْبَةِ ؟ قَالَ :" أُمُّكَ ، ثُمَّ أُمُّكَ ، ثُمَّ أُمُّكَ ، ثُمَّ أَبَاكَ ،

ثُمَّ أدْنَاكَ أدْنَاكَ "

" وَالصَّحَابَةُ" بمعنى : الصحبةِ . وقوله : "ثُمَّ أباك" هكذا هُوَ منصوب بفعلٍ محذوفٍ ، أي : ثُمَّ بُرَّ أبَاكَ . وفي رواية :" ثُمَّ أبوك" ، وهذا واضح[6]


معني الرحم :

قال الجوهري : ( والرحم ...:القرابة. والرحم بالكسر , مثله .

قال الأعشى :

أمـّاً لطالب نعمة يَمَّمتها ووصال رِحْم قد بردتَ بلَالـها )[7]

قال ابن حجر :

(الرَّحِم-بفتح الراء, وكسر الحاء المهملة, يطلق علي القارب , وهم من بينه وبين الآخر نسب , سواء

كان يرثه أم لا , سواء كان ذا محرم أم لا . وقيل : هم المحارم فقط. والأول هو المرجح , لأن الثاني يستلزم خروج أولاد الأعمام , وأولاد الأخوال من ذوي الأرحام , وليس كذلك )[8]

قال ابن الأثير : (ذو الرحم : هم الأقارب ,وقع علي كل من يجمع بينك وينه نسب. ويطلق في الفرائض علي الأقارب من جهة النساء. يقال ذو رحم مَـحْرم , ومـُـحَـرَّم, وهم: من لا يحل نكاحه كالأم والبنت والأخت والعمة والخالة )[9]

قال الموفق: ( وَذَوُو رَحِمِهِ كُلُّ قَرَابَةٍ له من جِهَةِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ )

قال المرداوي : ( هذا الْمَذْهَبُ)[10]

قال الْقَاضِي :( وَيَتَعَدَّى وَلَدَ الْأَبِ الْخَامِسَ )

قال الخرقي : (لا يجاوز به أربعة آباء لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجاوز بني هاشم بسهم ذوي القربى ) فجعل هاشماً الأب الرابع . ولا يكون رابعا إلا أن النبي صلي الله عليه وسلم أباً . لأن هاشماً إنما هو رابع النبي صلي الله عليه وسلم )

وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله:

من هم الأرحام وذوو القربى ؟ فأجاب:

(الأرحام هم الأقارب من النسب من جهة أمك وأبيك وهم المعنيون بقوله سبحانه في سورة الأنفال والأحزاب:" وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ" وأقربهم :الآباء والأمهات والأجداد والأولاد وأولدهم ما تناسلوا ثم الأقرب فالأقرب من الإخوة وأولادهم , والأعمام والعمات وأولادهم , من الأخوال والخالات وأولادهم) فتاوى إسلامية: 4: 195


معنى صلة الرحم:

نقل الحافظ ابن حجر، ابن أبي جمرة، قال : (تكون صلة الرحم بالمال, وبالعون على الحاجة, وبدفع الضرر, وبطلاقة الوجه, وبالدعاء.

والمعنى الجامع إيصال ما أمكن من الخير , ودفع ما أمكن من الشر , بحسب الطاقة . وهذا إنما يستمر إذا كان أهل الرحم أهلَ استقامة . فإن كانوا كفاراً أو فجاراً فمقاطعتهم في الله هي صلتهم , بشرط بذل الجهد في وعظهم , ثم إعلامهم إذا أصروا أن ذلك بسبب تخلفهم عن الحق , ولا يسقط مع ذلك صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب , أن يعودوا إلي الطريق المثلى)[11]

وقال القرطبي: (الرحم على وجهين: عامة وخاصة، فالعامة رحم الدين، ويجب مواصلتها بملازمة الإيمان، والمحبة لأهله، ونصرتهم، والنصيحة، وترك مضارتهم، والعدل بينهم، والنصفة في معاملتهم، والقيام بحقوقهم الواجبة؛ كتمريض المرضى، وحقوق الموتى؛ من غسلهم، والصلاة عليهم، ودفنهم، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم.

وأما الرحم الخاصة، وهي رحم القرابة من طرفي الرجل؛ أبيه وأمه، فتجب لهم الحقوق الخاصة وزيادة، كالنفقة، وتفقد أحوالهم، وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم. وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة. حتى إذا تزاحمت الحقوق بدئ بالأقرب فالأقرب.

وقال بعض أهل العلم: إن الرحم التي تجب صلتها: هي كل رحم محرم، وعليه فلا تجب في بني الأعمام وبني الأخوال.

وقيل: بل هذا في كل رحم ممن ينطبق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث، محرمًا كان أو غير محرم. فيخرج من هذا أن رحم الأم التي لا يتوارث بها لا تجب صلتهم ولا يحرم قطعهم.

وهذا ليس بصحيح، والصواب أن كل ما يشمله ويعمه الرحم تجب صلته على كل حال، قربة ودينية، على ما ذكرناه أولا والله أعلم.[12]

وقال النووي -رحمة الله-في شرح قوله صلى الله عليه وسلم "وتصل الرحم": (معناه أن تحسن إلى أقاربك ذوي رحمك، بما تيسر على حسب حالك وحالهم؛ من إنفاق أو سلام أو زيارة أو طاعة أو غير ذلك)[13]


ضابط الرحم الذي تجب صلته :

نقل ابن مفلح عن أبي الخطاب ,رحمهما الله, في مسألة العتق بالملك: (قد توعد الله سبحانه بقطع الأرحام، باللعن، وإحباط العمل. ومعلوم أن الشرع لم يُرد صلة كل ذي رحم وقرابة، إذ لو كان ذلك لوجب صلة جميع بني آدم، فلم يكن بد من ضبط ذلك بقرابة تجب صلتها، وإكرامها، ويحرم قطعها، وتلك قرابة الرحم المحرم. وقد نص عليه, بقوله صلى الله عليه وسلم "لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا على بنت أخيها وأختها. فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم " أخرجه أحمد، والترمذي، وصححه ابن حبان.

وهذا الذي ذكره من أنه لا يجب إلا صلة الرحم المحرم، اختاره بعض العلماء، ونص أحمد الأول؛ أنه تجب صلة الرحم محرمًا كان أو لا.

وقد عرف من كلام أبي الخطاب أن لا يكفي في صلة الرحم مجرد السلام. وكلام أحمد محتمل قال الفضل بن عبد الصمد لأبي عبد الله: رجل له إخوة وأخوات بأرض غصب، ترى أن يزورهم ؟ قال: نعم، يزورهم ويراودهم على الخروج منها، فإن أجابوا إلى ذلك، وإلا لم يقم معهم، ولا يدع زيارتهم)[14]

قال القرطبي -رحمة الله- : (الرحم اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره. وأبو حنيفة يعتبر الرحم المحرم في منع الرجوع في الهبة، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام، مع أن القطيعة موجودة، والقرابة حاصلة، ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من الأحكام. فاعتبار المحرم زيادة على نص الكتاب من غير مستند. وهم يرون ذلك نسخًا، سيما وفيه إشارة إلى التعليل بالقطيعة، وقد جوزوها في حق بني الأعمام وبني الأخوال والخالات والله أعلم.[15]

قال النووي-رحمة الله- (وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الرَّحِم الَّتِي تَجِب صِلَتهَا ، فَقِيلَ : هُوَ كُلّ رَحِم مَحْرَم بِحَيْثُ لَوْ كَانَ أَحَدهمَا ذَكَرًا وَالْآخَر أُنْثَى، حَرُمَتْ مُنَاكَحَتهمَا. فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُل أَوْلَاد الْأَعْمَام، وَلَا أَوْلَاد الْأَخْوَال، وَاحْتَجَّ هَذَا الْقَائِل بِتَحْرِيمِ الْجَمْع بَيْن الْمَرْأَة وَعَمَّتهَا، أَوْ خَالَتهَا فِي النِّكَاح وَنَحْوه، وَجَوَاز ذَلِكَ فِي بَنَات الْأَعْمَام وَالْأَخْوَال.

وَقِيلَ : هُوَ عَامّ فِي كُلّ رَحِم مِنْ ذَوِي الْأَرْحَام فِي الْمِيرَاث ، يَسْتَوِي الْمَحْرَم وَغَيْره، وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك " هَذَا كَلَام الْقَاضِي. وَهَذَا الْقَوْل الثَّانِي هُوَ الصَّوَاب، وَمِمَّا يَدُلّ عَلَيْهِ الْحَدِيث السَّابِق فِي أَهْل مِصْر: " فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّة وَرَحِمًا "

وهذا هو الصحيح , لقوله صلي الله عليه وسلم " إِنَّ أَبَرّ الْبِرّ أَنْ يَصِل أَهْل وُدّ أَبِيهِ"[16]

قال شيخنا محمد ابن عثيمين، رحمه الله : (وذوو القربى هم من يجتمعون بالشخص في الجد الرابع)[17]


مراتب الأرحام في الصلة :

قال النووي –رحمه الله-: (قَالَ أَصْحَابنَا : يُسْتَحَبّ أَنْ تُقَدَّم فِي الْبِرّ الْأُمّ ، ثُمَّ الْأَب ، ثُمَّ الْأَوْلَاد ، ثُمَّ الْأَجْدَاد وَالْجَدَّات ، ثُمَّ الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات ، ثُمَّ سَائِر الْمَحَارِم مِنْ ذَوِي الْأَرْحَام كَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّات ، وَالْأَخْوَال وَالْخَالَات ، وَيُقَدَّم الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب ، وَيُقَدَّم مَنْ أَدْلَى بِأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ أَدْلَى بِأَحَدِهِمَا ، ثُمَّ بِذِي الرَّحِم غَيْر الْمَحْرَم كَابْنِ الْعَمّ وَبِنْته ، وَأَوْلَاد الْأَخْوَال وَالْخَالَات وَغَيْرهمْ ، ثُمَّ بِالْمُصَاهَرَةِ ، ثُمَّ بِالْمَوْلَى مِنْ أَعْلَى وَأَسْفَل ، ثُمَّ الْجَار ، وَيُقَدَّم الْقَرِيب الْبَعِيد الدَّار عَلَى الْجَار ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْقَرِيب فِي بَلَد آخَر قُدِّمَ عَلَى الْجَار الْأَجْنَبِيّ، وَأَلْحَقُوا الزَّوْج وَالزَّوْجَة بِالْمَحَارِمِ وَاَللَّه أَعْلَم)[18]

وقد سألت شيخنا رحمه الله عن ضابط بر الوالدين خاصة فقال: (فعل ما ينفعهما, ولا يضره)

معنى العقوق :

قال ابن حجر –رحمه الله-: (والعقوق -بضم العين المهملة- مشتق من العق وهو القطع. والمراد به : صدور ما يتأذى به الوالد من ولده؛ من قول أو فعل، إلا في شركٍ أو معصية، ما لم يتعنت الوالد. وضبطه ابن عطية بوجوب طاعتهما في المباحات فعلا وتركاً، واستحبابها في المندوبات، وفروض الكفاية كذلك، ومنه تقديمهما عند تعارض الأمرين، وهو كمن دعته أمه ليمرضها، مثلاً، بحيث يفوت عليه فعل واجب إن استمر عندها، ويفوت ما قصدته من تأنيسه لها، وغير ذلك، لو تركها وفعله وكان مما يمكن تداركه، مع فوات الفضيلة، كالصلاة أول الوقت أو في الجماعة.[19]

قال السفاريني –رحمه الله-: (قطيعة الرحم هو : قطع ما ألِفَ القريب منه من سابق الوصلة والإحسان , لغير عذر شرعي؛ من مالٍ أو مكاتبة أو مراسلة أو زيارة أو غير ذلك.

وقال بعضهم : الصلة : نوع من الإحسان , والقطيعة ضدها.

وقال آخر : القطيعة تختص بالإساءة. وهذا ضعيف جداً لمن تأمله.)[20]

قال ابن حجر –رحمه الله- في شرح حديث :"ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها."[21]: (لَا يَلْزَم مِنْ نَفْي الْوَصْل ثُبُوت الْقَطْع. فَهُمْ ثَلَاث دَرَجَات : وَاصِل وَمُكَافِئ وَقَاطِع .

فَالْوَاصِل مَنْ يَتَفَضَّل وَلَا يُتَفَضَّل عَلَيْهِ.

وَالْمُكَافِئ الَّذِي لَا يَزِيد فِي الْإِعْطَاء عَلَى مَا يَأْخُذ .

وَالْقَاطِع الَّذِي يُتَفَضَّل عَلَيْهِ وَلَا يَتَفَضَّل .

وَكَمَا تَقَع الْمُكَافَأَة بِالصِّلَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَذَلِكَ يَقَع بِالْمُقَاطَعَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، فَمَنْ بَدَأَ حِينَئِذٍ فَهُوَ الْوَاصِل ، فَإِنْ جُوزِيَ سُمِّيَ مَنْ جَازَاهُ مُكَافِئًا، وَاَللَّه أَعْلَم)[22]


نظرة واقعية:

المتأمل في حال الناس اليوم يلحظجفوةً متزايدة، ووهناً، وثقلاً في صلة الأرحام. ومرد ذلك إلى أسباب منها:

1- الجهل بأحكام الدين، ومقاصد الشريعة.

2- الانشغال بالدنيا، واللهاث وراء الحطام.

3- اتساع المدن، وتباعد أقطارها.

4- سوء الظن، والتفسير الخاطئ للمواقف.

5- المقابلة بالمثل، وعدم الصفح.

ويمكن مواجهة هذه الأسباب بأضدادها، وعلاجها، مثل:

1- قيام أهل العلم؛ من خطباء، ومربين بالبيان والتذكير، بجميع الوسائل الإعلامية.

2- التحذير من الانكباب على الدنيا، والاستغراق في الماديات، وتعزيز العلاقات الاجتماعية.

3- الاستفادة من وسائل الاتصال الحديثة، لتعويض التواصل المباشر، جزئياً، والاتفاق على مواعيد ثابتة، زماناً، ومكاناً، لاجتماع الأقارب.

4- إشاعة حسن الظن، والحث على سلامة الصدر، ورفع الالتباس في جميع الأحوال، وانتداب أهل الفضل من كل أسرة لإصلاح ذات البين.

5- التربية على خلق الصفح، والعفو، والدفع بالتي هي أحسن.

ومن أحسن ما أحدثه الناس في الأزمنة الأخيرة، إيجاد الروابط الأسرية المنظمة، التي تجمع شتات الأسر الكبيرة، المنتشرة في طول البلاد وعرضها، في لقاءات دورية، وتوفر من وسائل التواصل والتعارف، وتبادل الأخبار؛ من ولادات، ووفيات، وزيجات، ما يوثق الصلة بين ذرية الجد الواحد. لكن ينبغي الحذر من أن تتسم هذه اللقاءات بروح الفخر، والمباهاة، والسرف، والمخيلة، فتخرج عن مقاصدها الحميدة.

اللهم اهدنا لأحسن الأعمال، وأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت. واصرف عنا سيء الأعمال، وسيء الأخلاق، لايصرف سيئها إلا أنت. والحمد لله رب العالمين.

كتبه: د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي



[1] البخاري (2782) و مسلم (137)

[2] مسلم(25)

[3] البخاري (6138) ومسلم(74)

[4] البخاري (5987) ومسلم (16)

[5] البخاري(5971) ومسلم (2548)

[6] رياض الصالحين باب عقوق الوالدين وصلة الرحم

[7] الصحاح (ج5 ص 207) طبعة دار العلم للملايين- بيروت

[8] فتح الباري (باب فضل صلة الرحم) (ج 10 ص414)طبعة دار الفكر

[9] النهاية في غريب الحديث والأثر (ج2 ص504) المكتبة العلمية - بيروت

[10] الإنصاف(ج7ص90) دار إحياء التراث العربي

[11]فتح الباري (ج10 باب من وصل وصله الله

[12] تفسير القرطبي : عند تفسير قوله " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم" محمد 22 )باختصار

[13] فتح الباري باب وجوب الزكاة شرح حديث رقم1396)

[14] الآداب الشرعية والمنح المرعية (ج1ص478) طبعة مؤسسة الرسالة ت/ تحقيق شعيب الأرنؤوط / عمر القيام.

[15] تفسير القرطبي (تفسير قوله "وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ"النساء 1)

[16] شرح مسلم للنووي حديث رقم (4634)

[17] القول المفيد شرح كتاب التوحيد(ج1 –ص 35)ط ابن الجوزي

[18] شرح النووي على صحيح مسلم (باب بر الوالدين وأنهما أحق به )

[19] فتح الباري باب عقوق الوالدين من الكبائر(ج10ص 406) طبعة دار الفكر

[20] الذخائر شرح منظومة الكبائر ص269

[21] البخاري (5532)

[22] فتح الباري (باب ليس الواصل بالمكافئ)

   طباعة 
2 صوت
« إضافة تعليق »
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
  أدخل الكود
روابط ذات صلة
المادة السابق
المواد المتشابهة المادة التالي
جديد المواد
كورونا واستقبال رمضان - بقلم المشرف العام أ.د. أحمد بن عبدالرحمن القاضي
الحجر الصحي - بقلم المشرف العام أ.د. أحمد بن عبدالرحمن القاضي
الأخذ بالأسباب - بقلم المشرف العام أ.د. أحمد بن عبدالرحمن القاضي
دروس وعبر - بقلم المشرف العام أ.د. أحمد بن عبدالرحمن القاضي